علي بن محمد البغدادي الماوردي
47
أدب الدنيا والدين
مستبعدا وكان هو الخامس الهالك الذي قال فيه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أغد « 1 » عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس « 2 » فتهلك . وقد رواه خالد « 3 » الحذاء عن عبد الرحمن « 4 » بن أبي بكرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم مسندا وليس لمن هذه حاله في العذل نفع ولا في الاستصلاح مطمع وقد قيل لبزرجمهر : ما لكم لا تعاتبون الجهال فقال : إنا لا نكلف العمى أن يبصروا ولا الصم أن يسمعوا وهذه الطائفة التي تنفر من العلم هذا النفور وتعاند أهله هذا العناد ترى العقل بهذه المثابة وتنفر من العقلاء هذا وتعتقد أن العاقل محارف « 5 » وأن الأحمق محظوظ وناهيك بضلال من هذا اعتقاده في العقل والعلم هل يكون لخير أهلا أو لفضيلة موضعا . وقد قال بعض البلغاء : أخبث الناس المساوي « 6 » بين المحاسن والمساوئ « 7 » وعلة هذا أنهم ربما رأوا عاقلا غير محظوظ وعالما غير مرزوق فظنوا أن العلم والعقل هما السبب في قلة حظه ورزقه وقد انصرفت عيونهم عن حرمان أكثر النوكى « 8 » وإدبار أكثر الجهال لأن في العقلاء والعلماء قلة وعليهم من فضلهم ولذلك قيل : العلماء غرباء لكثرة الجهال فإذا ظهرت سمة « 9 »
--> ( 1 ) أغد : أي سر في وقت الصباح . ( 2 ) الخامس : هو هنا من يبغض العلم وأهله . ( 3 ) خالد الحذاء : بن مهران أبو المنازل بضم الميم ، مولى أبي عبد اللّه عامر بن كريز القرشي ، ولم يكن بحذّاء ، وإنما كان يجلس إليهم يقال : إنه ما حذا نعلا قط وهو تابعي ، رأى أنس ابن مالك قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال يحيى وأحمد : ثقة . ( 4 ) عبد الرحمن بن أبي بكرة : واسم أبي بكرة نفيع بن الحارث ، وكنيته عبد الرحمن أبو عمر الثقفي البصري ، وعبد الرحمن أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة 14 ه - سمع أباه وعليا وغيرهما ، وروى عنه ابن سيرين وخالد الحذاء وعبد الملك بن عمير توفي سنة 99 ه - . ( 5 ) محارف : محروم ، كأنه محال ومصروف عن جهة الرزق ، وهو مقابل المسعود ، والمبارك . ( 6 ) المساوي : من المساواة . ( 7 ) المساوئ : جمع سوء . ( 8 ) النّوكي : بالضم والفتح : الحمق - قاموس . ( 9 ) سمة : أمارة وعلامة يتميزون بهما .